حيدر حب الله

404

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

لم يقصد إفهامهم بها ، ومعنى ذلك سقوط كل الظهورات اللفظية عن القيمة والاعتبار والاحتجاج بالنسبة للعصور المتأخرة ، إذا ، فلا يمكن الأخذ بأي دلالة لفظية ظاهرة ، وبهذا يقفل الطريق ويسدّ أمام الاجتهاد في النصوص « 1 » . وإلى جانب هاتين النظريتين كان لمقولة تحديد دائرة خبر الواحد الحجة دورا كبيرا في فكرة الانسداد ، فمراجعة أبحاث الميرزا القمي في « القوانين المحكمة » تؤكد ذلك ، فهو يرى حجية خبر الواحد - على تقديره - في دائرة ضيقة جدا لا تكاد تنفع ، فحجية خبر الواحد في غير عصر الصحابة غير معلوم عنده ، وكذا لا بد أن يكون الراوي عدلا معلومة عدالته لا مظنونة ، كما في حالات إخبار علماء الرجال بوثاقة شخص أو عدالته ، فإنه يفيد الظن غالبا ، كما لا بدّ أن لا يعارضه خبر ، وما شابه ذلك « 2 » . من هنا نعلم أن هناك تناسبا بين الانسداد وهذه النظريات الثلاث فكلّما رفضنا النظريتين الأولتين وأخذنا بالثالثة - وهي خبر الواحد - دون تضييقات القمي تضاعف حضور مقولة الانفتاح والعكس صحيح . لكن هذا لا يعني أن الميرزا القمي - مثلا كان يريد وضع بديل لأخبار الآحاد ، أو أنه كان يقوم بتصفية حساب معها ، أو له رأي متشدّد فيها مسبقا ، كما كانت الحال مع بعض رموز مدرسة اليقين سابقا كابن إدريس الحلّي ، ذلك أن من يراجع مباحث أخبار الآحاد من كتاب « القوانين المحكمة » يتأكد بأن القمي كان بصدد إثبات أخبار الآحاد ، وأنه لما رأى أن الآيات والإجماع لا يفيدان حجية لخبر الواحد تنفع جيدا في الفقه ، عكف على الإتيان بأدلّة تعطي الحجية لخبر الواحد من ناحية مختلفة ، وهي ناحية الظن ، فالقمي كان يغيّر وجهة الاستدلال فحسب ، ولم يكن يهدف إلى ضرب نظرية الآحاد أبدا ، ولمن أراد فليراجع القوانين « 3 » ، ولعلّه من هذا المنطلق وجدناه غير متفاعل أبدا مع مقولات أمثال السيد المرتضى التي تريد الإطاحة بأخبار الآحاد « 4 » ، بل له عبارة صريحة في أواخر مباحث الظن المطلق يقول فيها : « فالمرجع في حجية خبر الواحد حقيقة إنما هو الدليل الخامس » « 5 » ، والدليل الخامس على الآحاد بحسب ترتيبه هو الدليل الدال على حجية

--> ( 1 ) - لاحظ ارتباط الفكر الانسدادي بنظريتي الاختصاص بالمشافهين والاختصاص بالمقصودين بالإفهام والتفهيم ونظرية خبر الواحد في كلمات القمي ، القوانين المحكمة 1 : 434 - 436 ؛ والنائيني ، فوائد الأصول 2 : 229 ؛ والخوئي ، دراسات في علم الأصول 3 : 211 ؛ والهداية في الأصول 3 : 167 ، 249 - 250 ؛ والبجنوردي ، منتهى الأصول 2 : 117 . ( 2 ) - راجع الميرزا القمي ، القوانين المحكمة 1 : 435 . ( 3 ) - القمي ، القوانين المحكمة 1 : 416 - 437 . ( 4 ) - المصدر نفسه : 422 - 423 ، 437 - 440 . ( 5 ) - المصدر نفسه : 420 .